مراكز تصفية الدم والملائكة المُرْتَشُون

w1

في الجزء الثالث والأخير من هذه الرواية الصحفية، يقطع الممرض سالم صلته بمركز تصفية الدم الذي اشتغل معه لأكثر من خمس سنوات، لا للاكتفاء بعمله في احد المستشفيات العمومية، بل ليلتحق بمركز أخر، مصطحبا معه عشر مرضى من نفس المركز، ويستأنف الدكتور عثمان تعامله مع العديد من مراكز تصفية سواء بصفة منتظمة أو لتعويض اي طبيب متغيب. اما المريضين حسناء وحامد فقد شهدا وفاة مريضين على مرأى من فرق الرقابة ما دفعهما الى تغيير وجهتهما في العلاج. بينما بقي الدكتور الشاب أنس يعاني من منافسة اطباء القطاع العمومي رغم تعاقده مع مركز خاص مستجيب لمختلف الشروط القانونية.

مركز خاص لتصفية الدم بتونس

8:00

تخلّى سالم عن نظامه المعهود في المراوحة بين عمله في الصباح الباكر بالمركز ومباشرته لخطته بالمستشفى العمومي.. فبعد أن كان الحاكم بأمره بهذا المركز والمتحكم في أغلب مفاصله بموافقة من مالك المركز ما جعله يغالي في اصدار الأوامر ويحوّل مكتبه الى مستودع للأدوية والتجهيزات ولوصولات البنزين، ويلوح بطرد كل من يخالفه الرأي من باقي العمال، اضمحل دوره شيئا فشيئا.. فقد كثرت غياباته وتكرّر تأخره عن حصص التصفية بالمركز الخاص. لقد اضطره تحرك مراقبي وزارة الصحة وتنقلهم الى هذا المركز لتعهده بالتفقد الى إخفاء سيارته بأحد الأنهج المحاذية بينما فارقته ميدعته البيضاء خلال رعاية المرضى ليكون في حل من أي مسؤولية إذا فوجئ بوفد من الوزارة، لذلك تغيرت خطته نحو التعامل مع مصحة أخرى..

مركز خاص لتصفية الدم بتونس

9:00

ما إن فرغت حسناء من حصة تصفية الدم، وهمت مغادرة قاعة التصفية للالتحاق بسيارة نقل المرضى حتى اعترضها الممرض سالم مقترحا عليها فكرة الانتقال الى مصحة أخرى، ومؤكدا موافقة ما لا يقل عن عشرة مرضى أخرين على طلب نقلتهم الى هذه المصحة الجديدة، ثم أسهب في الثناء على المصحة التي تتوفر على خدمات أفضل وتجهيزات حديثة مع إطار طبي وشبه طبي أكثر كفاءة.

واصلت حسناء طريقها نحو البهو الخارجي للمصحة واعدة الممرض بالتفكير في عرضه ثم موافاته بقرارها في ظرف أسبوع. مرت المهلة المتفق عليها لتواصل حسناء ارتياد نفس المصحة بينما غيّر سالم وجهته الى مصحة أخرى، فكان أول إجراء يتخذه هو مكافأة مشغله الجديد باصطحاب عشر مرضى من مشغله القديم مقابل عمولة سخية قدرت بـ 300 دينار عن كل مريض.

  إثر إرسالها لمطلب نفاذ الى المعلومة الى وزارة الصحة، بتاريخ 21 جوان 2018 للحصول على تقارير التفقد الخاصة بمراكز تصفية الدم بين 2015 و2017، ورد على أنا يقظ ملخّصا مقتضبا من الوزارة، تضمن تعدادا لبعض التجاوزات الحاصلة في قطاع تصفية الدم بالمراكز الخاصة على غرار:

  • عدم استجابة الاطار الطبي المختص في أمراض الكلى أو في تصفية الدم والاطار شبه الطبي للمدونة القانونية المنظمة للقطاع
  • عدم احترام بعض المراكز لقواعد حفظ الصحة
  • سوء التعامل مع ملفات المرضى
  • عدم احترام دورية التحاليل البيولوجية
  • الترفيع المتعمّد في عدد آلات التصفية دون الحصول على تراخيص من وزارة الصحة أو عدم صيانة المواظبة على صيانة هذه الاجهزة

التفقدية الطبية بوزارة الصحة تشدد على وجود عدد من الاخلالات في مراكز خاصة لتصفية الدم

بعد مرور سنة ونصف..

حسناء: كانت شاهدة عيان على وفاة احدى المرضى بقاعة التصفية التي يتقاسمانها رفقة خمس مرضى أخرين. فقد داهمت المريض سكتة قلبية بحضور مراقبي وزارة الصحة الذين عاينوا هذه الحادثة في ظل غياب طبيب مشرف دون ان يتم تسليط أي عقوبة على المصحة أو الطبيب المتغيب. هذا التسيب والإهمال دفعا حسناء الى تقديم مطلب للانتقال الى مركز أخر.

حالما علم القائمون بقرار حسناء، تم حرمانها من أخر حصتين للتصفية قبل مغادرتها، في مخالفة واضحة للقانون.

سالم: تراجع عن تقديم استقالته من الوظيفة العمومية للتفرغ للعمل في القطاع الخاص، بعد أن خفتت تحركات مراقبي وزارة الصحة ليواصل إمداد أكثر من مركز بالمرضى بالتنسيق مع مرشدة اجتماعية مشتغلة بمستشفى عمومي بالتوازي مع تعامله مع مركز خاص.

حامد: كان حاضرا على وفاة أحد المرضى امام أعين مراقبي وزارة الصحة في حين كان الطبيب المشرف في طريقه الى المركز، فتوجه بمطلب الى اللجنة العمومية لتوزيع المرضى لاختيار مركز حديث النشأة لكن أحد أعضاء اللجنة نصحه بالعدول على هذا القرار بدعوى ان المركز الذي ينوي الانتقال اليه قد شهد وفاة عديد المرضى.

تشبث حامد باختياره متجاهلا هذه النصائح، وهو الآن يزاول حصص التصفية بالمركز الجديد دون صعوبات أو مشاكل تذكر.

عثمان: ابتعد لفترة عن العمل كمعوض بالمراكز الخاصة، جراء قيام مراقبي وزارة الصحة بزيارات تفقد ثم استأنف التعامل مع هذه المراكز سواء بالاشراف بصفة منتظمة على حصص الدياليز أو بالاستجابة لاي نداء استغاثة من مراكز التصفية لتعويض طبيب متغيب.

انيس: بعد عمله مع أكثر من 7 مراكز خاصة ووقوفه على الاستغلال الفاحش له ولزملائه الشبان، ما دفعه في احدى المرات الى مقاضاة مركز خاص لتسلم مستحقاته، وجد ضالته في مركز خاص محترم للقانون، لكنه لا يزال مهددا بتقاسم أجرته مع مديرة من القطاع العمومي، جراء ممارستها ضغوط على صاحب المركز لتمكينها من العمل معه مقابل تزويد المركز بمرضى جدد.

عمال النظافة: يواظبون يوميا على رفع الاف الاطنان من الفضلات الصحية الخطرة، دون أي رقابة من وزارة الصحة أو البلدية، رغم تعرض أحدهم الى إصابة بوخزة إبرة ما دفعه الى مقاضاة المركز.

تنويه: لئن حرصنا على تغيير أسماء الشخصيات المحركة لهذه الرواية الصحفية وغيبنا تسميات المراكز الخاصة والمستشفيات العمومية المحتضنة لمجمل الاحداث، فإننا نمتلك قائمة الأسماء الحقيقية لكل الظالعين في تجاوز القانون من مراكز وموظفين عموميين.


Iwatch

هذا المقال منشور على موقع أنا يقظ

تاريخ النشر: 2019-03-14 || 16:10

الرابط: https://www.iwatch.tn/ar/article/680