حوكمة المؤسسات العمومية ومعضلة الإفلات من المحاسبة

w1
أنا يقظ

لا يزال موضوع حوكمة المؤسسات والمنشآت العمومية احد ابرز المسائل التي تشكل صداعا مزمنا يؤرق الجميع، ما دفع بالعديد من المتدخلين في هذا القطاع بالبحث عن حلول قد تترآى شافية للبعض ومؤلمة للبعض الاخر، لكن المؤكد ان هذا الصداع له ما يبرّره بالنظر الى الوضعية الحرجة للعديد من هذه المؤسسات التي ما فتئت تغرق في متاهات سوء التصرف والتلاعب ومخاطر الخوصصة والتفويت، في ظل فراغ قانوني يكرس افلات مقترفي مختلف التجاوزات الإدارية والقانونية من المحاسبة والمعاقبة..

منظمة أنا يقظ اختارت التمعن في حوكمة أربعة هياكل عمومية ناشطة في قطاعات مختلفة وهي الرياضة والصحة والاعلام والموارد الطبيعية، وذلك عبر الاستعانة بتقارير مراقبي الحسابات عن أنظمة الرقابة الداخلية عن كل من شركة النهوض بالرياضة-البروموسبور- والصيدلية المركزية ووكالة تونس افريقيا للأنباء والديوان الوطني للمناجم في سنوات 2015 و2016 و2017، لما في هذه التقارير من تشخيص دقيق للإخلالات المبثوثة في أوجه التصرف بهذه المنشآت كالتنظيم العام والتصرف في الشراءات والصفقات العمومية والتصرف في الموارد البشرية والتصرف المالي والمحاسبي والتصرف في المخزونات..

 تشير تقارير مراقبي حسابات كل من شركة البروموسبور والصيدلية المركزية ووكالة تونس افريقيا للأنباء والديوان الوطني للمناجم عن أنظمة الرقابة الداخلية ان كل هذه المنشآت عمومية قد أعرضت عن تنفيذ أكثر من 70% من التوصيات والملاحظات المسجلة من قبل مراقبي الحسابات طيلة الثلاث سنوات الاخيرة.

 أكثر من ثلثي توصيات مراجع الحسابات لا يتم تطبيقها من المؤسسات العمومية

الصيدلية المركزية لا تصغي ولا تتفاعل..

يشير تقرير مراجع حسابات الصيدلية المركزية حول أنظمة الرقابة الداخلية بين سنتي 2015 و2017 الى أن نسبة الاخلالات التي لم يتم تداركها من قبل الإدارة قد ارتفعت من 73% سنة 2015 الى 85% سنة 2017، أي ان هناك تجاوزات بمعدل 79% لم يتم تفاديها في الثلاث سنوات الأخيرة.

الصيدلية المركزية ترفض اصلاح 85% من الاخلالات الادارية والقانونية

تهم التوصيات التي تم تجاهلها كليا في 2015 ثلاث أوجه للتصرّف الداخلي وهي التنظيم العام والتصرّف التجاري والأصول الثابتة للصيدلية المركزية، بينما تمادت الإدارة في الاستهتار بمختلف الاخلالات القانونية لتطال مجالات أخرى كالشراءات والصفقات العمومية والتصرف في المخزون والإعلامية والنظام المعلوماتي

ويبدو من خلال التوصيات التي ما انفك يسجلها مراقب حسابات الصيدلية المركزية، إصرار القائمين على هذه المؤسسة العمومية المتحكمة في قطاع حيوي، على عدم الأخذ بعين الاعتبار مختلف التوصيات، خاصة منها المتكررة طيلة سنوات متتالية، رغم تشديد الخبراء المحاسبين على تفاديها خلال التقارير السنوية لسنوات 2015 و2016 و2017، ما يعني تجاهل هؤلاء المسؤولين لتطبيق القانون".

الديوان الوطني للمناجم والإخلالات المختلفة

تم بعث الديوان الوطني للمناجم كمؤسسة عمومية ذات صبغة صناعية وتجارية في ماي 1962، وفي 1992 أعيد تصنيف الديوان الوطني للمناجم كمؤسسة عمومية ذات صبغة غير إدارية تعنى بالنهوض بالقطاع المنجمي للبلاد من خلال وضع سياسة موجهة لجلب الاستثمار وجرد واستكشاف المدخرات من المواد الأولية المعدنية.

وقد تضمن تقرير مراجع الحسابات عن أنظمة الرقابة الداخلية بالديوان الوطني للمناجم 76 توصية في 2015، لا تزال 71% منها دون التطبيق، وقفزت الاخلالات التي لم يتم تداركها في 2017 الى 79 %.

الاخلالات غير المتداركة في تصاعد بالديوان الوطني للمناجم

أما القطاعات التي لم تشهد تطبيق أي توصية بين 2015 و2017 فهي التصرف في الشراءات والمخزونات والتصرف في الموارد البشرية والتصرف في التجهيزات والصيانة والتصرف المحاسبي والمالي وذلك عبر عدم مسك قائمة محينة للمزودين وعدم ختم الصفقات العمومية وغياب رزنامة سنوية للصفقات المزمع إنجازها وضعف مراقبة حضور الاعوان.

قطاعات أخرى شهدت اجحافا في الاستهتار بالتوصيات على غرار التنظيم ونظام المعلومات وذلك عبر عدم سد الشغورات في تسع مصالح وهي:

  • الترويج والتعاون الفني
  • قسم الشؤون الفنية
  • في مصلحة الشؤون الإدارية والقانونية
  • في مصلحة التموين
  • مصلحة التصرف في المنظومة الاعلامية
  • مصلحة تعهد المعدات الإعلامية

من ينهض بشركة النهوض بالرياضة؟

شركة النهوض بالرياضة هي منشأة عمومية خاضعة لإشراف وزارة الشباب والرياضة، مكلّفة بالنهوض بالأنشطة الرياضية وذلك بتنظيم مباريات وتكهنات رياضية وبكل العمليات التابعة لها''. هكذا تعرّف الشركة نفسها على موقعها الالكتروني، بينما يبدو انها تواجه عدة صعوبات في مختلف أوجه التصرف قبل الاضطلاع بمهمة النهوض بالأنشطة الرياضة. اذ اكتفت إدارة هذه المنشأة بتطبيق توصية يتيمة من مجوع 96 توصية سجلها مراقب الحسابات في 2015. وتتعلق هذه التوصية بإقرار معلوم طابع جبائي بقيمة 25 مليم عن كل عمود يتم بيعه في مسابقة البروموسبور، في حين اكتفت الإدارة بالعمل على تطبيق 24% من التوصيات وتخلفت عن تدارك 75% من الإخلالات.

لشركة البرومسبور نصيب في الاستهتار بتوصيات مراجع الحسابات

أما أهم القطاعات التي شهدت مماطلة في تطبيق التوصيات فتتوزع بين:

  • التصرف في الموارد البشرية من خلال عدم ضبط مقاييس اسناد الإمتيازات العينية وعدم اخضاعها للضريبة على الدخل وعدم مسك سجل للعطل السنوية وعدم احترام شروط اسناد الرتب..
  • التنظيم العام ونظام المعلومات من خلال جمع مهام متنافرة وشغور في بعض الوظائف وغياب وحدة تعنى بالأرشيف وبالشؤون القانونية وبالتصرف في الاصول وعدم اعداد تقارير النشاط واحالتها على سلطة الاشراف في الآجال القانونية منذ 2013..
  • التزود والتصرف في المخزون عبر غياب تطبيقة لمتابعة الصفقات والإستشارات العمومية وعدم اعداد برنامج سنوي للشراءات وعدم تحيين الأسعار المتداولة في السوق بالنسبة لمستلزمات الشركة..
  • المالية والمحاسبة عبر الجمع بين مهام متنافرة على مستوى مصلحة المحاسبة وعدم ضبط القوائم المالية في الآجال وعدم تسوية الوضعية الجبائية لعقارات الشركة وعدم استخلاص المبالغ المتخلّدة ببعض الجامعات الرياضية

وكالة الانباء ومعضلة الموارد البشرية

تعرف وكالة تونس افريقيا للأنباء اختصارا بـ''وات''، وهي الوكالة التونسية الوحيدة المختصة في تزويد وسائل الاعلام المحلية والأجنبية بالأخبار الحينية على مدار الساعة وفي كامل أيام الأسبوع، معتمدة على شبكة واسعة من المراسلين، أو هكذا يفترض بها الإشتغال. ويبدو إن عدم توفّق إدارة الوكالة في تطبيق توصيات مراقب الحسابات في العديد من الأقسام، جعلها بعيدة عن استثمار نشاطها الحصري لتكون مصدرا رئيسيا للخبر، في ظل مشهد اعلامي ومتغير ومتسارع.

الوكالة تشهد العديد من الإخلالات الهيكلية والتنظيمية، التي شخّصها مراقب الحسابات في تقريره عن أنظمة الرقابة الداخلية لسنة 2015. حيث ناهزت التوصيات غير المطبّقة 71%، مقابل 15 % فقط تم الاستئناس بها لتفادي التجاوزات القانونية و13% في طور الإنجاز.

تراجع طفيف في الاخلالات غير المصلحة بوكالة تونس افريقيا للانباء

تعلقت بعض التوصيات غير المطبّقة من قبل الوكالة بملاحظات متعلقة بالتصرف في الموارد البشرية، وذلك عبر عدم توفّر قانون إطار ينظم استراتيجية الإنتدابات ويضبط حاجة المؤسسة لتعيين أعوان في مراكز غير مطابقة لمؤهلاتهم، ما تسبّب في تعيين أعوان في مراكز غير مطابقة لمؤهلاتهم مع إمكانية انجاز انتدابات زائدة عن الحاجة.

من جهة أخرى خَلُصَ التقرير الى عدة ملاحظات عن الهيكل التنظيمي للمؤسسة على غرار وجود مراكز شاغرة من شأنها المساهمة في تداخل المسؤوليات والمهام والحد من نجاعة مردودية الوكالة. اذ تفتقر ''التاب'' الى مدير للمصالح الفنية والمعلوماتية ومدير لدائرة التصوير والتوثيق والدراسات ومسؤول عن مصلحة الشؤون القانونية. وقد تراجعت نسبة الاخلالات الإدارية والقانونية والتنظيمية التي لم يتم إصلاحها الى 55% في سنة 2016.

استهتار اذن بتوصيات مراجعي الحسابات ومواصلة لارتكاب تجاوزات إدارية وهيكلية ترتقي الى درجة الاخلال القانوني.. هكذا يبدو المشهد في أربع منشآت عمومية تنشط في قطاعات حيوية كالرياضة والصحة والموارد الطبيعية والاعلام، في ظل فراغ قانوني. اذ تفتقر المدونة التشريعية المنظمة لعمل المرفق العام لأي نص قانوني يفرض على الإدارات العمومية تطبيق توصيات مراجعي حساباتها أو تعاقب المتهاونين في تطبيقها، وفق ما أكده أحد مراجعي الحسابات لمنظمة انا يقظ، بينما تسعى بعض الأطراف المتدخلة الى حلول من قبيل التفويت في المؤسسات العمومية أو ضخ المزيد من التمويلات لإنقاذها من حافة الإفلاس بدل الإصلاح الجذري ومحاسبة الضالعين في انهاكها.


Iwatch

هذا المقال منشور على موقع أنا يقظ

تاريخ النشر: 2019-05-05 || 17:00

الرابط: https://www.iwatch.tn/ar/article/694