قطاع المخابز في تونس : عشوائية و منافسة غير عادلة

| 0 مشاركة
w1

 

يعيش قطاع المخابز في تونس منذ اندلاع الثورة التونسيّة أواخر سنة 2010 وبداية سنة 2011 أزمة داخليّة كبرى مردّها المنافسة غير العادلة بسبب انتشار المخابز العشوائيّة غير المرخصّة لبيع الخبز داخل محلات المرطّبات وغيرها من الأسباب الأخرى.

تنتشر المخابز العشوائية في تونس لتمثّل عبئاً على الدولة وتضرّ بحاملي البطاقة المهنية. القضيّة ليست مستجدّة وتعود إلى أكثر من ست سنوات، مع نحو 1200 مخبز عشوائي في كلّ أنحاء البلاد.  تتسبب في خسائر مالية كبيرة نتيجة الإنتاج الوافر الذي يصل إلى ما بين 45 و50 مليار خبزة سنوياً، وهو عدد يفوق حاجة التونسي. ولأنّ عمليّة الإنتاج لا تراعي طاقة الاستهلاك في البلاد، فإنّه يصار إلى إتلاف 900 ألف خبزة يومياً[1] من جرّاء منافسة المخابز العشوائية. وهو ما يكلّف الدولة وأصحاب المخابز خسائر تقدّر بنحو 80 ألف دولار أميركي في اليوم، لا سيّما أنّ القمح الليّن يُوَرّد.

أزمة قطاع المخابز في تونس تخفي وراءها تقاعس أجهزة الدولة وتراخيها في تنظيم القطاع والتصدّي للفوضى التي سيطرت عليه منذ ما يقارب الثمانية سنوات.

 

» في السابق كنت أستيقظ على الساعة الرابعة صباحا و كلّي رغبة بمباشرة العمل , أما اليوم فأذهب الى المخبزة بخطوة الى الأمام و 1000 خطوة الى الخلف «

 

بهذه العبارة استهل منصف حديثه من وراء مقود شاحنته الخفيفة، وهو خبّاز منذ سنة 1979، يحدّثنا ولم يخف هلعه على مستقبل نشاط يمتهنه منذ ما يقارب الأربعين سنة والسبب؟ : الإنتشار المكثّف للمخابز العشوائيّة التي باتت تهدّد نشاط الخباز منصف وغيره من الخبّازين.

ينظم قطاع المخابز و محلات بيع المرطبات بالقانون عدد 56  و ذلك منذ استقلال البلاد و الى اليوم. تقوم الدولة بإصدار بطاقة احتراف لصاحب المخبزة و تمنحه رخصة مخبزة بعد معاينة وزارتي الصحة و التجارة للمعايير المضبوطة بكراس شروط انشاء و استغلال مخبزة عادية. في المقابل, يتمتع أصحاب المخابز بالدقيق المدعم و المخصص لبيع الخبز العادي.

 

الدولة التونسية تمنح صحاب المخابز المرخص لها الدقيق المدعم لصناعة الخبز العادي فقط و ان أراد صاحب المخبزة صناعة أنواعا أخرى من الخبز ( شعير , نخالة...) فانه يتحتم عليه قانونا أن يصنعه بدقيق اخر غير مدعم من الدولة و هو ما يفسر الفرق في الأسعار بين الخبز العادي و الأنواع الأخرى.

يبلغ سعر الدقيق المدعم 11,334 دينارا للكيس الواحد و تسدد منه الدولة 6 دنانير أما الدقيق الغير المدعم فيبلغ سعر الكيس الواحد 52 دينارا.

و حسب احصائيات وزارة التجارة  فقد بلغ عدد المخابز المرخص لها و المتمتعة بالدعم 3500 مخبزة , في الوقت ذاته ظهرت 1200 مخبزة عشوائية منذ 2011 حسب نفس الاحصائيات

 

 

 

كيف يمكن التعرف على مخبزة "عشوائية" ؟

بكل بساطة لا يمكن لهم أن يكتبوا " مخبزة" على واجهة المحل و يكتفون بكتابة محل مرطبات, ليس لهم الحق في التمتع بالدقيق المدعم , لكن وجد هؤلاء طريقة للتحيل على مصالح الرقابة التابعة لوزارة التجارة  و المستهلك في ان واحد : تصنع المخابز العشوائية خبزا في أحجام و أوزان تختلف عن الحجم و الوزن الذي فرضتهما وزارة التجارة ( 200 غرام )  و تبيعها بنفس سعر الخبز العادي مما يمكنهم من ربح مادي

 

في الحمامات وئام . ش  صاحبة محل صنع مرطبات لم تخفي عنّا صنع محلها للخبز بنفس الطريقة : " ربحنا متأت أساسا من بيع الخبز, الحرفاء لا يقبلون كثيرا على شراء المرطبات, و لذلك فنحن نصنع يوميا 1500 خبزة وزن الواحدة 150 غراما "  

 

" لن يتمكنوا من ربح المال ان لم يغشوا"

 

" "تبيع المخابز العشوائية الخبز بنفس أسعارنا ولا تزال تفتح مخابز جديدة بالرغم من أسعار الدقيق الباهظ , لماذا ؟: "إذا لم يغشوا ، فلن يتمكنوا من جني الأموال".

يقول علي , خباز يتمتع بالدعم منذ سنة 1985 " الدقيق المدعم يتم بيعه و شرائه و احتكاره و لا يرتبط الأمر بالمخابز المرخص لها فحسب, يشبه الأمر التبغ فرجال الأعمال الكبار يشترونه من القباضة دون رخص و بكميات كبية و يقومون بإعادة بيعه لاحقا لأشخاص غير حاملين لرخصة "

يجدر بالذكر بأن  معاملات السوق السوداء في تونس  بلغت 4500 مليار دينار ، أي 9 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي

 محمد بو عنان ، رئيس النقابة الوطنية للخبازين في تونس ، له رأي مختلف، فسر بوعنان الأمر بأن المخابز العشوائية تتحصل على رخصة محل لبيع المرطبات, نظرا لسهولة اقتنائها مقارنة برخصة مخبزة  و يقومون باشتراء الدقيق المدعوم من المخابز أو من المحتكرين لصنع الخبز و بيعه في محلاتهم

 

 

"الدولة تريد تحطيمنا بأي ثمن"

 

توجهنا الى الإدارة الجهوية للتجارة بنابل, أين عبر لنا المدير الجهوي للتجارة بأنه لا يوجد أي اشكال مع المخابز العشوائية " "لا توجد مشكلة مع المخابز غير القانونية. إنهم يرتبون أوضاعهم بإعلان الترخيص ودفع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ". بينما صرحت السيدة وئام. ش صاحبة محل المرطبات بالحمامات بأنها لا تدفع تصاريح الضمان الاجتماعي عن عملة المحل و لا يتمتع أغلبهم بعقود حتى و هو ما يفند تماما ما عبر عنه المدير الجهوي للتجارة

هذا التهاون من مصلح وزارة التجارة لم يعد يفاجئ الخبازين و النقابيين اذ عبر منصف بأنه أرسل أكثر من شكاية الى وزارة التجارة و أمضى هو عديد الخبازين الاخرين عديد العرائض و أرسلوها الى مصالح  وزارة التجارة مطالبين بالتدخل لوضع حد لهذه المخابز العشوائية التي باتت تهدد نشاطهم و ما تنفك تغش المواطن لكن دون جدوى

بالنسبة لمحمد بو عنان ، فإن الأمر أخطر من ذلك بكثير: "إن الدولة تدرك وجود هذه المخابز. لكنها تغض النظر  لسبب بسيط: إن جاء التونسيون لشراء المزيد من الخبز في هذه المخابز ، فلن تكون الدولة مطالبة بعد ذلك بالدعم. انها خطوة  لإيقاف المخابز المدعومة  و قتلها تدريجيا "

تهدر البلاد يوميًا 900.000 رغيف ،  متأت بشكل رئيسي من المخابز غير القانونية. و يرجح ارتفاع هذا الرقم في ظل عدم تفعيل قرار وزير التجارة الصادر في 22 جوان 2016 المتعلق بصنع الخبز وبيعه، لوضع حدّ نهائي لتفاقم ظاهرة المخابز العشوائية. يُضاف إلى ذلك ما يمكن أن يلحق من أضرار بالمستهلك، من جهة عدم احترام المواصفات المطلوبة في صنع الخبز. وقد نصّ القرار المُشار إليه سابقاً، على أنّه يتعيّن على كل المحلات غير المتحصلة على بطاقة مهنية لخباز، عدم صنع وعرض وبيع أصناف الخبز في شكل أو حجم أو مواصفات الخبز الصغير، وعدم اعتماد تسمية مخبز على واجهات محلاتها.

 

 
[1] https://www.journalistesfaxien.tn/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D9%85%D8%B6%D8%A7%D9%86%D8%AD%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A-900-%D8%A3%D9%84%D9%81-%D8%AE%D8%A8%D8%B2%D8%A9-%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7/