مــلاحظات حول مشروع القانون عدد 2020/104 المتعلق بإنعاش الاقتصاد وتسوية مخالفات الصرف

| 0 مشاركة
w1

من خلال متابعتها الدائمة لأشغال مجلس نواب الشعب، واقتناعا بأهمية دورها في المساهمة في تحسين جودة النصوص التشريعية وضمان دستوريتها، فضلا عن المساهمة في وضع الأطر القانونية اللازمة لتحقيق مطالب الشعب التونسي، تعمل منظمة "أنا يقظ" على تدعيم سير الوظيفة التشريعية للبرلمان وذلك من خلال تقديم المقترحات والتوصيات والملاحظات التي تدخل في مجال نشاطها، والتي من شأنها تطوير نسق العمل التشريعي وتحسين جودته في ظلّ احترام الدستور.

وفي هذا الإطار، تقدّم المنظمة جملة من الملاحظات المتعلقة بمشروع القانون عدد 2020/104 المتعلق بإنعاش الاقتصاد وتسوية مخالفات الصرف المصادق عليه من قبل لجنة المالية والتخطيط والتنمية بتاريخ 30 سبتمبر 2020.

  • الـملاحظات العامة

 يأتي مشروع هذا القانون في ظلّ أزمة اقتصادية خانقة تعرفها تونس تتزامن مع ما فرضته جائحة كورونا من أعباء إضافية وأعباء اقتصادية واجتماعية. وكان لزاما، بالنسبة للحكومة، البحث عن كل الوسائل التي من شأنها تعبئة موارد مالية إضافية لمجابهة مختلف هذه الصعوبات فكان مشروع هذا القانون إحدى الحلول المقدّمة.

وتستوجب القراءة الأولية لمشروع هذا القانون إبداء جملة من الملاحظـات العامة.

حيث أن مشروع هذا القانون يجب أن يهدف أساسا إلى النهوض بالاقتصاد التونسي، إلاّ أن مخرجات مشروع هذا القانون، حسب ما أفاد به ممثلو المعهد التونسي للخبراء المحاسبيين ورئيس الاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة، لا تعكس هذا التوجه باعتباره لا يتضمن إجراءات فعلية من شأنها دفع عجلة التنمية وتحسين الاستثمار. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ معظم الإجراءات هي ذات طابع جبائي وكان من الأجدر إدراجها في قانون مالية تعديلي باعتباره يتضمن جملة من الإجراءات التي من المفترض أن تكون وقتية خاصة بالنسبة للإجراءات التي من شأنها التقليص في المداخيل الجبائية للدولة، فضلا عن عدم استشارة مجموعة العمل المالي GAFI وضرورة القيام بتحريات وتقصّ قصد تجنب تصنيف تونس ضمن القائمة السوداء باعتبار وأن تونس ملتزمة مع مجموعة العمل المالي بأن كل تعديل يمسّ الصلح في المادة الصرفية يتطلّب أخذ الرأي المسبق من المنظمة المذكورة وذلك لتجنب التصنيف بالقائمة السوداء للملاذات الضريبية مجددا.

  • الـملاحظات التفصيليّة

تتطلّب القراءة التحليلية لفصول مشروع القانون الماثل إبداء جملة من الملاحظات بالنسبة للفصول التي قد تطرح إشكاليات مهمة.

  • الـفـصل الأول:

يندرج هذا الفصل المقترح في إطار الإجراءات التي تهدف إلى تخفيف العبء الجبائي على المؤسسات ودفع الاستثمار وذلك من خلال تمكين الشركات من إعادة تقييم عقاراتها حسب قيمتها الحقيقية.

ويعدّ هذا الإجراء تكملة لإجراء سبق أن أُدرج بموجب قانون المالية لسنة 2019، حيث تم تمكين الشركات الناشطة في قطاع الصناعة والخاضعة للضريبة على الشركات من إعادة تقييم عناصر أصولها الثابتة الماديّة حسب قيمتها الحقيقة باستثناء العقارات المبنية وغير المبنية (الفصل 48 عاشرا من مجلة الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين والضريبة على الشركات)  بهدف تمكينها من تضمين قوائمها المالية معلومات تعكس القيمة الحقيقية لأصولها. ولابدّ من إبداء ملاحظتين على الأقل:

  • الملاحظة الأولى: هذا الإجراء المقترح سينطبق على كافة الشركات ولا يقتصر على الشركات العاملة في قطاع الصناع وذلك خلافا للإجراء المتعلق بإعادة التقييم الذي تم إدراجه بقانون المالية لسنة 2019،
  • الملاحظة الثانية: هذا الفصل يخفي خطرا جديا للتهرّب الضريبي وقد يفتح الباب أمام الفساد باعتباره يمكّن الشركات من إعادة تقييم قيمة العقارات مع إمكانية إعطاء قيمة "غير حقيقية" (بالترفيع أو التخفيض). كما أنه، بهذه الصيغة، سيؤدي إلى تراكم الاستهلاكات المؤجّلة وإعفائها من الأداء لسنوات دون موجب.

وبالتالي، يجب التخلّي عن هذا الإجراء أو التنصيص صراحة على أنه "لا تُعفى الاستهلاكات الناتجة عن إعادة التقييم من الأداءات".

 

  • الـفـصل 6: ضبط مبلغ أقصى لخطايا التأخير المتعلقة بالدين العمومي المثقل

يأتي هذا الإجراء في إطار مساعي الدولة في التخفيف من الديون الراجعة لها اعتبارا لما يؤدّيه تضخّم الديون العمومية على المدينين (تركيبة الدين العمومي المثقل= أصل الدين + خطايا التأخير  + مصاريف التتبع)، الأمر الذي قد يؤدّي إلى التهرّب من دفع الديون. وبالتالي، يُقترح ألاّ تتجاوز خطايا التأخير أصل الدين.

وتجب الإشارة هنا إلى ما قد يترتب عن اعتماد هذا الإجراء من حرمان الدولة من  عائدات مالية هامة نسبيا خصوصا في ظلّ هذا الظرف الاقتصادي الحرج. كما أن هذا الإجراء قد يرتّب آثارا عكسية تتمثل أساسا في عدم خلاص الديون العمومية المثقلة خاصة مع "تحصينها" من ارتفاع خطايا التأخير.

ويجب بالتالي التخلّي عن هذا الإجراء.

 

  • الـفـصل 7: تسوية المخالفات والجنح الديوانية موضوع تصاريح ديوانية مكتتبة من قبل المؤسسات الاقتصادية

تبيّن وثيقة شرح أسباب مشروع هذا القانون أنّ هذا الإجراء جاء من أجل إعمال نوع من التمييز الإيجابي من خلال اللجوء إلى "العفو" الديواني لدعم المؤسسات الاقتصادية التي تعمل في إطار منظّم وذلك من خلال تسوية المخالفات/الجنح الديوانية.

يجب التنويه إلى ما قد ينجرّ عن هذا الإجراء في نقص للعائدات المالية للدولة على الرغم من عدم شمولية الإعفاء لأصل الدين. وإضافة إلى ذلك، فإن إدراج هذه الأحكام لا يُخفي تبعاته السياسية أو القضائية، ذلك أنه قد يترتب عن التسوية انعدام ضرورة النظر في القضايا المنشورة والتي لم يصدر في شأنها حكم بات. وبالتالي، فإن الأحكام المقترحة قد تصبح مطيّة لتقويض إجراءات قضائية خاصة مع غموض مسألة انطباق هذه الأحكام بمفعول رجعي من عدمها.

وبناء على ذلك، يجب التخلّي عن هذا الإجراء أو إضافة ما يلي:

"لا تنطبق إجراءات التسوية على المخالفات والجنح السابقة لصدور هذا القانون والتي لم يصدر في شأنها حكم بات".

 

  • الـفـصل 8: تسوية مخالفات الصرف

يهدف الإجراء المقترح بهذا الفصل إلى احتواء ظاهرة تداول العملة خارج القنوات الرسمية وتدارك تأثيرها على الاقتصاد الوطني. وقد أكّدت الحكومة في وثيقة شرح الأسباب أنّه إجراء "استثنائي" يحفّز على إدماج العملات بالقطاع المنظّم. ويمكن التساؤل هنا حول خطورة تحوّل هذا الإجراء الاستثنائي إلى إجراء مبدئي يمكّن من محو مخالفة الصرف وتجنب العقوبات المالية والسجنية.

ولنستعرض أولا جملة من الإشكالات التي يطرحها هذا الفصل.  ذلك أنه، وبصفة عامة، فإن الإجراءات المتعلّقة بادماج الأنشطة والعملة المتأتية من الاقتصاد الموازي في الدورة الاقتصادية الرسمية لا يمكن تحقيقها فعليا قبل معرفة دقيقة بالأنشطة والسلع المرتبطة بالسوق الموازية و هو أمر يصعب تحقيقه لاعتبارات كثيرة فضلا على أنه لم يتم بيان كيفية تحديد القطاعات المعنية والسلطة المخوّل لها تحديدها. ثمّ فيما يتعلق بالعفو على مخالفات الصرف وانتفاع الأشخاص المعنيين بهذا الفصل من إبراء الذمة بعنوان الخطايا المتعلقة بإجراءات الصرف ومن دفع الضرائب والآداءات والخطايا المتعلقة بها و من أي تتبع إداري أو قضائي في مادة الصرف موضوع التسوية، فإن هذا الإجراء -بما فيه من مصالحة مع مهرّبي السوق السوداء و تراخي في التعامل بحسم وجدية مع هذا القطاع الضارّ بالاقتصاد التونسي- يعبّر عن لا مساواة بين من يعمل في إطار نظامي          ويؤدّي واجباته الجبائية وبين من ينشط في القطاع الموازي بأن يتم إقرار اجراءات لفائدته تشجعه على التهرب من الضرائب مستقبلا في انتظار إقرار عفو جبائي لصالحه دأبت الدولة التونسية عليه فضلا عمّا يمثله من حرمان لمداخيل جبائية هامة هي المورد الأساسي لتغطية نفقات الدولة. وعلاوة على ذلك، فإن هذا الفصل لا يتضمن وجوبية من صرح بأموال ومكتسبات غير مصرح بها بأن يصبح قيد التتبع لدى المصالح الجبائية بل بالعكس يعفى من أي تتبع اداري و قضائي و هو ما يفتح المجال لإمكانية العود.

وبناء على كل ما سبق، فإننا نرفض مثل هذا الإجراء لما فيه من تكريس لثقافة الإفلات من العقاب       والهروب من المحاسبة وبالتالي فإنا نطالب بإلغاء الفصل.

 

  • الـفـصل 9:

هذا الفصل متتم للفصل الثامن ويحتوي على جملة من التفصيلات فيما يخص تطبيق الفصل الثامن الذي بيّنا عيوبه القانونية والواقعية أعلاه.  وبالتالي يلغى هذا الفصل بإلغاءالفصل 8.

 

  • الـفـصل 11:

يحدد هذا الفصل المُقترح مآل أموال الأشخاص المعنيين بالتسوية. ويتمثل الإشكال المطروح في هذا الفصل في مدى وجاهة عدم التنصيص على مآل المبالغ المودعة في حساب بنكي أو بريدي مفتوح بالبلاد التونسية. في مقابل ذلك، تمّ الاقتصار على تحديد مآل الأموال المودعة في الحسابات المشار بالفصل 10.
هل سيؤدّي ذلك إلى منح حرية مطلقة لأصحاب هذه الأموال للتصرّف في هذه الأموال خاصة مع المبالغ "الزهيدة" التي سيتم دفعها في شكل مساهمة تحررية. حيث يجب التذكير بأنه الفصل 9 يؤسس للإعفاء من المخالفات الجبائية ومخالفات الصرف واللجوء إلى التسوية (مع ما قد تحمله هذه الأخيرة من مخاطر على الموارد الجبائية للدولة و"خطورة" السلطة التقديرية لإدارة الجباية في تفصيل القواعد الجبائية.)

وبناء على ذلك، فإنه يُقترح إدراج المبالغ المودعة في الحسابات البنكية أو البريدية ضمن قائمة الفصل 11 بتحديد هدف التصرف فيها وموضوعه.

  • الفصل 13: التقليص في مدة المراجعة الجبائية القصوى

في إطار إقرار إجراءات لمقاومة التهرب الجبائي ودعم الشفافية، ارتأى المشرّع التقليص في المدة القصوى للمراجعة الجبائية  على أساس محاسبة من 6 أشهر إلى  4 أشهر وهو ما نعتبره إجراء غير ناجع باعتبار المشاكل والصعوبات التي تعرفها إدارة الجباية والمتعلقة أساسا بضعف الموارد البشرية و التقنية  في مقابل تراكم ملفات المراجعة الجبائية، فضلا عمّا قد يترتب عن التقليص في مدة المراجعة الجبائية على أساس المحاسبة من تأثير على حقوق دافعي الضرائب في صورة عدم التدقيق الكافي في المعطيات.