المحكمة الإداريّة: بين فقه القضاء وسفه القضاة

| 0 مشاركة
w1

 

المحكمة الإداريّة: بين فقه القضاء وسفه القضاة لئن يوحي نعت المحكمة "بالإداريّة" بأنّها محكمة "الإدارة" إلّا أنّها أثبتت منذ إرسائها أنّها تقف سدا منيعا أمام القرارات غير الشرعيّة للإدارة وتعسّفها. فعرف القاضي الإداري كونه "قاضي الحقوق والحريّات" وكذلك "القاضي الحامي للأموال العموميّة". وهذه الألقاب لم تنسب له من فراغ، بل هي نتاج لعمل القضاة الإداريّين على مرّ السنين، على تكريس مبادئ دولة القانون والحريّات ومراكمة القرارات لخلق "فقه قضاء" مستقرّ على مبادئ العدل والمساواة واحترام القانون. وقد اتّسمت المحكمة الإداريّة بجرأة قراراتها منذ ارسائها فكانت صمّام الأمان الوحيد زمن الديكتاتوريّة. وكانت رمزا للثبات على مبادئ القانون بعد الثورة، فلم "يطمع 'النّافذ' في حيفها ولم ييأس الضعيف من عدلها" ولم تتأخّر يوما عن احقاق الحق في مواضع الحق. فلم تكن من قبل خاضعة للسّلطة ولا متملقة إيّاها، فأيّ داء أصاب المحكمة الإداريّة حتّى حادت عن فقه قضائها؟ حيث إنّه في الآونة الأخيرة، تبيّن للجميع، أنّ ما اعتقدناه "فقها للقضاء" ما هو إلاّ "فقه القضاة" لا أكثر. بدليل تغيّره بمجرّد تغيّر الأشخاص الّذين ساهموا في وضعه.

وقد لوحظ تراجع المحكمة الإداريّة عن مبادئها وكأنّها وقعت في شباك "السّلطان" منذ تولي القاضي عبد السّلام مهدي قريصيعة لرئاستها. فإنّ قرارات المحكمة الإداريّة في مادّة توقيف التنفيذ_ وهو الاختصاص الحصريّ للرئيس الأوّل للمحكمة عرفت تذبذبا ملحوظا فلم يعد المتقاضي يدرك مآل مطلبه الّذي سيختلف باختلاف أهواء القاضي الّذي أثبت أنّ له "معاييره الخاصّة" في تحديد حالة التأكّد والأثر الّذي يصعب تداركه، معايير لا تتوافق بالضرورة مع فقه قضاء المحكمة ولا حتى مع أحكامه السابقة. فنجد على سبيل المثال، سلسلة القرارات الصادرة في مادّة توقيف التنفيذ مؤخّرا في علاقة بالإقامة الجبريّة والقاضية برفض مطالب العارضين في تناقض صريح مع فقه الرئيس الأوّل للمحكمة في قرارات سابقة سنة 2019 و2020 حيث تمسّك في السابق بحق متهم بالإرهاب في العمل والتنقّل إلا أنّه "غيّر رأيه" مؤخّرا وكأنّ المحكمة تسير على أهواء رئيسها أو بصفة أدق على أهواء "السلطة".

خلافا لهذه القرارات نجد المحكمة إلى اليوم، وبعد انقضاء الأجل المحدد قانونا لم تبت بعد في مطلب توقيف تنفيذ قرار وزير الداخليّة الّذي تم بمقتضاه غلق المقرات المركزيّة للهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد، مطلب تقدمت به منظمة أنا يقظ منذ 24 سبتمبر الفارط لما في هذا القرار من حرمان صارخ للمواطنين/ات المبلّغين/ات من حقّهم/ن في الحماية بالإضافة إلى تعطيله تنفيذ قرارات المحكمة الإداريّة نفسها والقاضية بإسناد الحماية لهؤلاء. وقد ألفنا طول الآجال وتعدي المحكمة على الحق في محاكمة في آجال معقولة، كما تعودنا عدم تلخيص ورقن الأحكام وتبجيل الوجوه المعروفة على غيرهم من المواطنين المترقبين لقرارات المحكمة. فلا ينظر في مطلبك إلاّ إذا كنت وزيرا أو مستشارا أو مسؤولا ذا شأن وجاه، ولا تدرك معيار الأولويّة، كما أنّ قانون المحكمة يحرمك من حقك الدستوري في التقاضي على درجتين في مادة توقيف التنفيذ. ففي أيّ "أمن قضائي" نتأمّل؟ تحوّلت المحكمة الإداريّة إلى "سويسرا القضاء" ولم تعد تعيش واقع متقاضيها ولا تتقاسم مخاوفهم، بل صار هاجسها ألاّ تثير غضب السلطة السياسيّة وتخلّفت عن مواعيدها مع التّاريخ في أكثر من مناسبة.

فعلى الرغم من قراراتها التّاريخيّة في علاقة بمراقبة الدستوريّة وعلى الرغم من إرساءها لمبدأ "النظام العام الدستوري" وإثارتها مسألة الدستوريّة في أكثر من قرار هامّ، وعلى الرغم من إقرارها بعدم دستوريّة قانونها (غرة جوان 1972) في قرار استعجاليّ عن الدائرة التعقيبية الأولى صادر بتاريخ 15 ماي 2017 نجدها اليوم تتجنب وتمتنع عن الخوض في مسائل الدستوريّة لما فيها من ترابط بالسياسة، فقضت بعدم اختصاصها بالبت في مسألة التحوير الوزاري ولم تثر مسألة عدم دستورية الأمر المنظم لحالة الطوارئ كما حادت عن مواقفها السابقة من قرارات الإقامة الجبريّة كما ذكرنا، وإلى اليوم لم تحرّك ساكنا في علاقة بالأوامر والمراسيم الرئاسيّة ما بعد 25 جويلية. وقد رأينا السيّد الرئيس الأوّل للمحكمة الإداريّة يسارع بعرض "مشروع" مجلّة القضاء الإداري على السيّد رئيس الجمهوريّة، تبيّن فيما بعد أنّها "مسودة" لم يتم بعد إنهاء التشاور فيها بين قضاة المحكمة، حسب ما جاء في بيان جمعيّة القضاة الصادر بتاريخ 10 جانفي 2022. هذا وقد لقيت المسودّة رفضا كبيرا في صفوف القضاة لما في هذا المشروع من مساس بتقاليد المحكمة وانحراف عن مبادئها، وتركيز للسلطة في يد الرئيس الأوّل.

انتهجت المحكمة الإداريّة منذ تولّي السيّد عبد السلام مهدي قريصيعة رئاستها نهجا مهادنا جعلها تمتنع عن إثارة غضب السلطة التنفيذيّة فأوقفت تنفيذ قرار المجلس الأعلى للقضاء الرّامي لضمان استقلاليّة القضاة عن الجهاز التنفيذي. كما لم تشأ حرمان الزملاء من "زيادة" فلم تبت إلى اليوم في القضيّة المتعلقة "بمنحة القضاة" كما لم تبت في قضيّة "صفقة الفخفاخ" على الرغم من تعلقهما بالأموال العموميّة المهدورة. واليوم، هي أمام امتحان جديد في ظرف استثنائي يقتضي تشديد الرقابة وتحلي القضاء الإداري بمقوّمات الاستقلاليّة كأحد أذرع السلطة القضائيّة الّتي وجب أن تقوم بدورها في ضمان علويّة الحقّ والقانون، فهل سيتحوّل القاضي الإداري لأوّل مرة في تاريخ المحكمة إلى "قاضي البلاط"