الرئيس... ما يتصورش!

| 0 مشاركة
w1

مرّة أخرى تُرجّح المصلحة الخاصّة لبعض النوّاب على مصلحة الشعب في النفاذ إلى المعلومة خاصّة تلك المتعلّقة بالنقاشات ذات العلاقة المباشرة بالمال العام وهو ما حصل اليوم 10 نوفمبر 2016 خلال مناقشة لجنة النظام الداخلي والحصانة والقوانين البرلمانية لميزانية مجلس النواب لسنة 2017 في جلسة استماع للسيد محمد الناصر رئيس مجلس النواب.

بدأ الجدل حول الجلسة قبل بدايتها حيث لاحظنا أن السيد محمد الناصر سيترأس جلسة الاستماع له. رغم غرابة ما قرأتموه للتو إلا أن ذلك ما حصل: محمد الناصر رئيس مجلس النواب يترأس جلسة الاستماع لمحمد الناصر رئيس مجلس النواب، وبالاستفسار عن سبب هذا الإجراء كانت الإجابة من طرف العارفين أن الفصل 49 من القانون الداخلي للمجلس ينص على أن رئيس مجلس النواب يترأس اللجان التي يحضرها وغياب نصوص للاستثناءات مما يسمح لرئيس مجلس النواب بترأس جلسة رفع الحصانة عنه لو اقتضت الحاجة.

من التفاعل الإيجابي مع البث الى المنع..

حرصت منظمة "أنا يقظ" منذ أواسط السنة البرلمانية المنقضية على النقل المباشر لمداولات اللجان على صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" مع مناقشة لجنة التشريع العام برئاسة السيد شاكر العيادي، وقد طرح الجدل وقتها حول السماح للمجتمع المدني (أنا يقظ – البوصلة) بالبث المباشر لأعمال اللجنة فتباينت الآراء بين موافق ورافض ولكن الأغلبية وافقت على السماح لغياب نص يمنع وهو استنتاج الأساتذة الحاضرين كالسيد شاكر العيادي والسيد أحمد الصديق. بثت منظمة أنا يقظ منذ ذلك الحين العديد من الجلسات للجان برلمانية مختلفة، بموافقة من رؤسائها، وذلك تكريسا لمبدئي الشفافية والحوكمة المفتوحة مما يتيح للمواطن فرصة الاطلاع على مختلف الآراء والتوجهات فيما يتعلق بالقوانين المعروضة على مجلس نوّاب الشعب. كما تفتح له باب المساءلة التي من شأنها أن تساعد في نجاعة عمل مؤسسات الدولة المنتخبة منها والمعيّنة.

على مدى نصف سنة تم البث المباشر بشكل روتيني لدى ممثل المنظمة في البرلمان وللنواب أيضا اللذين صاروا يتفاعلون إيجابا معه بل ويتساءلون عن كيفية إجرائه للتفاعل مباشرة مع المواطنين، ليناقض اليوم مجلس نواب الشعب ما كان يقبل به أمس.

فعند بداية جلسة نقاش ميزانية المجلس لسنة 2017 في لجنة النظام الداخلي والحصانة والقوانين البرلمانية، اعترض السيد حمدي قزقز مساعد الرئيس المكلّف بالتصرف العام على البث المباشر، مطالبا بالاكتفاء بتصوير مقاطع فيديو قصيرة بتعلة أنّ "الرئيس لا يصوّر."

تقدم ممثل المنظمة بطلب كتابي للبث المباشر لأشغال لجنة إلى السيد محمد رمزي خميس نائب رئيس اللجنة الذي مررها إلى الفريق المرافق لرئيس المجلس، لتصل الورقة إلى حمدي قزقز وتعود إلى رئيس المجلس واللجنة (في نفس الوقت حسبما ينص عليه الفصل 49 من النظام الداخلي) الذي قرأها علنا عند انتهائه من مداخلته حول ميزانية المجلس ليبدأ جدال دام حوالي 25 دقيقة حول أحقية "أنا يقظ" والمجتمع المدني في البث المباشر لأعمال اللجان. وتمحورت الإجابات بين موافق لغياب نص قانوني يمنع ذلك وليس هنالك ما يخفيه الحاضرون، بل على العكس فهذا دعامة للشفافية وردا على الأصوات التي تدعي أن المجلس يجتمع سرّا للزيادة في أجور النواب على حساب المواطن، بينما رفض شق آخر قطعا متحججا بأن الإفراط في الديمقراطية والشفافية يؤدي إلى "تشليك" المجلس وأن النواب يريدون البقاء مرتاحين ليتكلموا بكل صراحة بعيدا عن ضغط الكاميرات التي تؤوّل أقوالهم.

النفاذ إلى المعلومة حق دستوري..

أخيرا قرّر مكتب اللجنة عدم السماح لممثل المنظمة بتصوير أو بث النقاش مباشرة وإرجاء الحديث في هذه النقطة إلى جلسة أخرى تحدد لاحقا، رغم تنصيص الفصل 15 من الدستور على أن الشفافية والنزاهة والنجاعة والمساءلة قواعد خدمة المواطن وتأكيد الفصل 76 من القانون الداخلي المنظم لعمل مجلس نواب الشعب على أن جلسات اللجان علنية ما عدا تلك التي يصوت على سريتها.

إن المجتمع المدني التونسي يسعى للإشارة إلى نقائص الإدارة وشؤون الحكم لتكميلها من خلال توصيات ومبادرات للتحسين والتغيير الإيجابي. في هذا السياق يأتي البث المباشر لأعمال اللجان ليقرب المواطن من نائبه أكثر ويلغي إمكانية تغيير أو تأويل طرف ثالث لتصريحات وآراء النواب. بل عديدة هي الدول، حديثة العهد بالديمقراطية كانت أو عتيقة، التي تبث جلسات لجانها وتخصص لها قنوات خاصة تلفزية كانت أو إلكترونية (الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، ألمانيا، مالطا، اليونان، أكرانيا، الكيان الصهيوني، البرازيل، الهند) بل ويذهب البعض إلى تشريك المواطن في التصويت (إستونيا).

تعتبر منظمة "أنا يقظ" منعها والمجتمع المدني من بثّ مداولات اللجان ضربا لحقّ المواطن في النفاذ إلى المعلومة ومحاصرة لدور المجتمع المدني في الحفاظ على المكتسبات الأساسية للديمقراطية والمتعلّقة بالشفافية والمساءلة في تسيير مرافق الدولة.