العنكبوت ينسج خيوطه في الصيدليّة المركزيّة

| 0 مشاركة
w1

رغم عودة النسق العادي في توزيع الأدوية من قبل الصيدلية المركزية، وذلك إبان تسلّمها في مستهل شهر أوت الحالي شحنة جديدة من الأدوية المستوردة، يبقى تكرّر سيناريو فقدان الأدوية ممكنا جدا لعدة أسباب هيكليّة داخل هذه المؤسسة العمومية المستأمنة على تحقيق الأمن الدوائي في تونس.

ففضلا عن عدة أسباب خارجية سبق أن عرّج عليها الرئيس المدير العام للصيدلية المركزية أيمن المكي في تصريحاته الأخيرة، من قبيل استفحال الديون المتخلّدة بذمة المؤسسات الاستشفائية العمومية وتهريب الأدوية والتخزين المفرط لها من قبل الصيدليات والمواطنين وسوء تصرف المستشفيات العمومية في المخزون وسعي بعض اللوبيات الى تحرير الأدوية، يبدو أن الصيدلية المركزية ما فتئت تضج بالإخلالات والتجاوزات الداخلية التي تكشف عن جوانب أخرى تفسّر معضلة شح الأدوية من بين مشاكل أخرى تعاني منها.

توصيات.. في سلة المهملات

تفيد تقارير مراجعي حسابات الصيدلية المركزية حول أنظمة الرقابة الداخلية لسنوات 2015 و2016 و2017 أن إدارة هذه المؤسسة العمومية لم تطبق ما لا يقل عن 74% من التوصيات والملاحظات المسجلة من قبل مراجعي الحسابات، بينما تعاملت الصيدلية المركزية مع باقي التوصيات بالتفاعل الجزئي معها، أي في حدود 15%، وبالتطبيق الشامل بنسبة لم تتعدى 7،6%.

تهم التوصيات التي تم تجاهلها كليا في 2015 ثلاث أوجه للتصرّف الداخلي وهي التنظيم العام والتصرّف التجاري والأصول الثابتة للصيدلية المركزية على غرار عدم توجيه مشروع الهيكل التنظيمي الى سلطة الاشراف وغياب دليل إجراءات خاص ببعض الهياكل كإدارة الإعلامية ووحدة اليقظة وعدم اعداد دليل إجراءات خاص بالرقابة الداخلية وعدم تسوية الوضعية العقارية لبعض الممتلكات وعدم اجراء الجرد المادي للأصول الثابتة في نهاية السنة المحاسبية. ثم تفاقم الاستهتار بمختلف الملاحظات المسجّلة في تقارير مراجعي الحسابات خلال سنة 2016، بتجاهل أكثر من 54 ملاحظة في مجالات التصرف في الموارد البشرية والتصرف المالي والمحاسبي والتصرف التجاري والاعلامية والأصول الثابتة وخاصة التصرف في المخزون. بينما قفزت نسبة التوصيات غير المطبّقة في 2017 الى حدود 85% مُغطّية قطاعات من قبيل التنظيم والشراءات والصفقات العمومية والتصرّف التجاري والإعلامية بالإضافة الى التصرف في المخزون الذي يعد أحد ابرز الأسباب المباشرة في أزمة شح الادوية.

الإخلال المزمن..

ينص المنشور الوزاري عدد 78 لسنة 2008 المتعلق بمسك مخزون استراتيجي من الأدوية على أن تتوفر الصيدلية المركزية على مخزون يعادل كمية مبيعاتها من كل صنف دوائي لفترة 3 أشهر على الأقل بالنسبة لكافة الأدوية المورّدة والمصنّعة محليا، بينما خلُص فحص مراجعي الحسابات لهذا المخزون بين سنتي 2015 و2017 الى وجود تراجع حاد في كميات بعض الأدوية بلغ حد نفادها. وفي هذا التصرف غير الرشيد في المخزون تهديدا للأمن الصحي للتونسيين جراء عدم قدرة الصيدلية المركزية على تلبية حاجة القطاعين العمومي والخاص.

من جهتها فسّرت إدارة الصيدلية المركزية هذا الأمر بـ"ارتباط المستوى الفعلي للمخزون بالعديد من العوامل الخارجة عن نطاقها كتأخر المزودين في تنفيذ الطلبيات والزيادة غير المنتظرة في الاستهلاك والاضطرابات المسجلة في التصنيع والتوزيع".

كما أشارت تقارير مراجعي الحسابات الى عدم متابعة وحدة اليقظة -المشرفة على مخزون الأدوية- التلاقيح والأمصال ومشتقات الدم والأدوية المصنعّة محليا والتي تكتسي طابعا حياتيا لارتباطها بأمراض مزمنة أو لعدم وجود مثيل لها.

أما إجراءات الجرد المادي والشهري للأدوية فلا تزال تشكو من عديد النقائص على غرار تكفّل الأعوان المسؤولين عن عمليات الاستيلام والحفظ والتسليم بهذا الجرد في غياب للرقابة سواء من قبل هيكل خارجي أو حتى من قبل كاميرات المراقبة التي عادة ما تكون مطفأة أو غير متوفرة.

هكذا تصرّف في تسلّم وحفظ الأدوية من شأنه أن يشجع بعض الأعوان على سرقة الأدوية، الشيء الذي أكده مؤخرا الرئيس المدير العام للصيدلية المركزية، بحديثه عن إحالة ادارته ما لا يقل عن عون واحد أسبوعيا على مجلس التأديب أو القضاء بتهمة سرقة الأدوية.

ويبدو من خلال مجمل الملاحظات والتوصيات التي ما انفك يسجلها مراجعو حسابات الصيدلية المركزية خلال تقاريرهم المتعاقبة إصرار القائمين على هذه المؤسسة العمومية المتحكمة في قطاع استراتيجي وحيوي، على عدم الأخذ بعين الاعتبار مختلف التوصيات، خاصة منها المتكررة طيلة سنوات متتالية، رغم تشديد الخبراء المحاسبين على تفاديها خلال كل تقرير سنوي، ما يعني ضلوع هؤلاء المسؤولين في فساد مستشر ما داموا يخرقون العديد من القوانين المنظمة لعملها، خاصة وان القانون عدد 10 لسنة 2017 قد عرّف الفساد بـ"كل تصرف مخالف للقانون والتراتيب الجاري بها العمل يضر أو من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة".