مرضى في مصيَدة ملائكة الدياليز!

| 0 مشاركة
w1

يواظب الممرّض سالم على غرار موظفين عموميين آخرين على تحويل وجهة العشرات من المرضى سنويا الى مراكز خاصة لتصفية الدم، مقابل رشاوي وامتيازات وفرص عمل مواز بالقطاع الخاص، بينما بلغ الأمر ببعض الأطباء والمسؤولين بوزارة الصحة حد ابتزاز مصحات خاصة لضمان حصصهم من يوميات العمل بهذه المصحات.

في الأثناء يضطر بعض المرضى الى الانتقال من مركز خاص الى آخر فرارا من خدمات سيئة وتجهيزات مهترئة واطار طبي وشبه طبي غير متوفر أحيانا ومستهتر بصحتهم أحيانا أخرى. اما وزارة الصحة التي يفترض اشرافها على القطاع عبر المراقبة والمعاقبة والتعديل فلا تزال بعيدة كل البعد عن اعتبار صحة المريض أولوية الأولويات..

في هذه الرواية الصحفية لمحة عما يجري داخل بعض مراكز تصفية الدم من اتجار بالمرضى وابتزاز واستهتار بصحة من هم  في أمس الحاجة الى من يقف الى جانبهم لا اعتبارهم مجرد أرقام.

منطقة السيجومي بتونس

3:45

يصرُخ الهاتف مزمجرا، ومؤذنا بحلول لحظة الاستعداد للتوجه الى مصحة تصفية الدم وسط العاصمة تونس.. تتسلّل يد حسناء من تحت غطائها باحثة عن مصدر هذا المنبّه الصوتي قبل أن تطلّ برأسها فاركة عينيها.. تقفز مسرعة من سريرها بعد أن تكتم صوت هاتفها.. عليها أن ترتّب منزلها وتعدّ فطور زوجها السبعيني ثم تستعد كي لا تتخلّف عن موعدها الروتيني مع سيارة نقل المرضى الى مصحة "الدياليز" البعيدة عن منزلها وحتى لا ينهال عليها السائق لوما وتقريعا، فالرحلة لا تزال طويلة..

تتالت طرقات الباب.. لقد حلت سيارة المصحة فيما كان السائق ينفث دخان سيجارته المهرّبة وهو يرمق حسناء من خلف البلور..

تمتطي العربة فتعتريها رجفة وهي تتذكر موعدها مع الاكتظاظ داخل قاعة تصفية الدم ومع آلة التصفية المهترئة، بالإضافة الى الروائح الكريهة المنبعثة من قنوات الصرف الصحي المسدودة بقفازات بلاستيكية..

♦ يجب أن يكون موقع مراكز تصفية الدم في محيط سليم لا يشكل أي خطر على سلامة المرضى.'' الفصل 1 من الملحق عدد 2 للأمر عدد 795 لسنة 2008 المتعلق بشروط احداث واستغلال مراكز تصفية الدم

♦ لا يمكن ان يتجاوز عدد المرضى الذين يتلقون العلاج بالمركز بصفة دورية الأربعين مع مراعاة التناسب بين عدد المرضى وعدد الآلات المستغلّة على أساس آلة لكل أربعة''. الفصل 5 من الأمر عدد 795 لسنة

♦ "لا تكون طاقة استيعاب مركز تصفية الدم أقل من أربعة وأكثر من عشرة آلات لتصفية الدم. ويجب بالإضافة الى ذلك أن تكون لدى المركز آلة احتياطية إذا كانت طاقة الاستيعاب لا تتجاوز ست الات، وآلتين احتياطيتين إذا كانت طاقة الاستيعاب تفوق ست آلات. ولا يمكن ان يتجاوز عدد المرضى الذين يتلقون العلاج بالمركز بصفة دورية الأربعين مع مراعاة التناسب بين عدد المرضى وعدد الآلات المستغلّة على أساس آلة لكل أربعة مرضى'' الفصل 5 من الأمر عدد 795 لسنة 1998 المتعلّق بضبط شروط إحداث واستغلال مراكز تصفية الدم.

تلقي المرأة الخمسينية تحيتها الصباحية المعهودة ''نهاركم أسعد الايام'' ثم تتسلّل بين المرضى لتتخذ لها مقعدا خلف السائق متكئة على البلور الجانبي قبل أن تخلد الى نوم متقطّع على وقع مطبات الطريق المهترئ..

مركز خاص لتصفية الدم بتونس

4:45

يركن الممرّض سالم سيارته أمام مركز تصفية الدم. يترجّل مرتديا ميدعة بيضاء ومتفحصا هاتفه قبل ان يتصل بزميله: "وينك عماد؟ باش يبدا "الدياليز" وانت مازلت ماوصلتش؟ ايجا باش تعوضني في المصحة. انا السبعة نمشي للسبيطار''. ثم يقطع الطريق متجها نحو المركز للإشراف على أول حصة لتصفية الدم، في ظل تأخر يومي للطبيب المشرف.

♦ يكون طبيب تصفية الدم حاضرا من بداية حصة تصفية الدم الى نهايتها. الملحق عدد 1 من الامر عدد 795 لسنة 2008 المتعلق بشروط احداث واستغلال مراكز تصفية الدم

يزاول سالم عمله في هذا المركز الخاص منذ مالا يقل عن خمس سنوات دون أي عقد عمل ينظم علاقته الشغلية بهذه المؤسسة. هذه الوضعية مريحة لكلا الطرفين بما ان قانون الوظيفة العمومية يمنع مراد وأمثاله من الأعوان العموميين من ممارسة عمل مواز..

♦ ''يجحّر على كل عون ان يمارس بعنوان مهني وبمقابل نشاطا خاصا مهما كان نوعه وتضبط بامر الشروط التي يمكن فيها مخالفة هذا التحجير.'' الفصل 6 من القانون عدد 78 المتعلق بضبط النظام الأساسي لأعوان الدواوين والمؤسسات العمومية.

يحل ركب سيارة المصحة.. ترتفع جلبة المرضى وهم يهمون بالنزول متثاقلين متثائبين بعد رحلة صباحية طويلة، فتستفيق حسناء من غفوتها ليطالعها الممرض سالم وهو يحث الخطى نحو المركز فتتمتم بكلمات غير مفهومة ملتقطة حقيبتها اليدوية من على المقعد، ثم تتحامل على جسدها الوهن لتلقي به خارج السيارة.

لم تكن حسناء لتختار هذا المركز النائي عن منزلها، والذي يتطلب ساعتين على متن سيارة نقل المرضى التي تتلّوى بين الأنهج والأزقة لتجميع المرضى قبل نقلهم الى وسط العاصمة، لولا اقتراح سالم، الممرّض بمستشفى الرابطة بالعاصمة وإلحاحه.

يعود توجيه حسناء الى هذا المركز الى سنتين خلت، وذلك إثر ذهابها الى مستشفى عموميا لتصفية الدم.. حينها خضعت لعدد من الحصص قبل ان يُطلب منها تقديم وثائقها لاختيار مصحة خاصة لإكمال عمليات تصفية الدم. لم تجد صعوبة في اختيار وجهتها، بما إن سالم، الممرض بهذا المستشفى، والذي كان يشرف على خدمتها بقسم تصفية الدم قد نصحها باختيار مصحة بعينها واعدا إياها بتلقى أفضل علاج وأحسن خدمة صحية بما انه يشتغل مع هذه المصحة

شهادات أخرى لعدد من مرضى القصور الكلوي ومن العاملين ببعض مراكز تصفية الدم تؤكّد ضلوع حوالي ألف ممرض بمستشفيات عمومية في التأثير على المرضى لحملهم على اختيار احدى المصحات الخاصة لمواصلة تصفية الدم مقابل حصولهم على رشاوي من هذه المصحات تناهز المائتين دينار عن كل مريض يتم تحويل وجهته خاصة وأن تجارب اغلب المرضى تبدأ بالتوجّه الى المستشفيات العمومية ثم يتم ارسالهم الى مراكز خاصة لتصفية الدم.

عند تقدّم المريض بملف الى لجنة توزيع المرضى التي تجتمع كل اسبوعين، بحضور ممثلين عن الصندوق الوطني للتأمين على المرض ووزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية، يكون اختياره لمركز تصفية الدم مبنيا في غالب الاحيان على الوعود التي قطعها له الممرّض بتوفير أفضل الخدمات وسرعة تحسّن حالته الصحية اذا اختار مركزا بعينه، حسب ما أكّده بعض المرضى وأيّده مصدر مطلع من الإدارة الجهوية للشؤون الاجتماعية بتونس خيّر عدم الكشف عن هويته.

♦ يتوفر في تونس 158 مركزا مختصا في تصفية الدم منها 111 مركزا خاصا، أي بنسبة 70 %. يقصد هذه المراكز الخاصة 7000 مريض ثلثهم في إقليم تونس الكبرى (ولايات تونس واريانة وبن عروس ومنوبة) وموزعين على 33 مركزا خاصا بالولايات الأربعة، وفق احصائيات منشورة على الموقع الرسمي لوزارة الصحة.

 

تكتشفون غدا في الجزء الثاني من المقال:

← أسباب تهرّب الدكتور عثمان من الامضاء على الوصفات الطبية ودوره في حماية المراكز المشبوهة

← علاقة العقود الوهمية برقابة وزارة الصحة

← تهديد المراكز الخاصة لصحة عمال البلدية

 

 

 

 ---------------------

  • تنويه: خيّرنا الاعتماد على أسماء مستعارة، مع العلم أننا نتوفر على اسماء مختلف الضالعين في الإتجار بالمرضى من أطباء وممرضين ومراكز خاصة.