النفايات السامّة في المستشفيات.. الوزارة الصمّاء

| 0 مشاركة
w1
أنا يقظ

يبدو أن فرضية التلوّث الجرثومي داخل الوسط الاستشفائي، التي تحدثت عنها صباح اليوم وزيرة الصحة بالنيابة سنية بالشيخ هي الأقرب الى تفسير أساب وفاة الاثني عشر رضيعا بمستشفى الرابطة. فالشكوك الأولية، وفق الوزيرة، تشير إلى أنّ سبب وفاة الرضّع قد يكون تعفنّات جرثومية مرتبطة بالعلاج "infection nosocomiale"، وهي جرثومة يصاب بها المريض داخل أي وسط إستشفائي لأنّه ليس بمعزل عن التلوث والجراثيم.

الوزيرة سنية بالشيخ تحدثت أيضا عن وجود غرفة بيضاء داخل قسم وسيلة بورقيبة العائد بالنظر الى مستشفى الرابطة، يتم فيها تحضير وإعداد المحلول الغذائي الذي يتم حقنه للرضع، مرجّحة أن تكون الإصابة ناجمة عن تلوّث داخل هذه الغرفة التي يتم فيها إستعمال مستحضرات حاضرة ومقدمة من الصيدلية ولا يمكن أن تكون فاسدة.

الأكيد ان الوزيرة الحالية وكاتبة الدولة للصحة في السابق هي الأكثر اطلاعا على كل ما له علاقة بمسألة حفظ الصحة داخل المستشفيات العمومية، هذا الملف الذي يبدو أنه لم يرتقي بعد الى الأولية القصوى لدى وزارة الصحة منذ سنوات، رغم التنبيهات المتكرّرة من عديد الأطراف.

لقد تحوّلت بعض المستشفيات العمومية، على الأقل مستشفى الرابطة ومستشفى الأطفال ومستشفى الحبيب ثامر بالعاصمة، الى فضاءات مهددة لحياة قاصديها و''قنابل موقوتة'' جراء غياب مقاربات منهجية وواضحة للتصرف في النفايات الصحية الخطيرة التي يتم سكب بعضها في قنوات صرف المياه المستعملة وتخزين بعضها الآخر (مواد سامة وسريعة الالتهاب) في حاويات بلاستيكية.

نفايات خطرة تحاصر المستشفيات

بدءا بمستشفى الرابطة مرورا بمستشفى الأطفال بباب سعدون، وصولا الى مستشفى الحبيب ثامر بالعاصمة تونس، تضطر إدارات هذه المؤسسات الصحية العمومية الى سكب ما تفرزه من نفايات سائلة سواء كانت معدية أو كميائية سامة في قنوات تصريف المياه المستعلمة جراء عدم تعاقدها مع شركات مختصة في جمع ونقل هذه المواد.

في هذا السياق يشير مراجع الحسابات في تقريره عن أنظمة الرقابة الداخلية لمستشفى الرابطة في سنة 2016 الى غياب منهجية واضحة في التصرف في النفايات السائلة الخطرة، قائلا بصريح العبارة إن ''المخابر التابعة للمستشفى تعمد الى سكب النفايات السائلة الناتجة عن استخدام الالات المخبرة الاوتوماتيكية في مجاري المياه المستعملة''. وقد بيّنت إدارة المستشفى في اجابتها عن هذه النقطة انها أحدثت وحدة للتصرّف في هذه النفايات الخطرة لتفادي هذه النقائص.

كما شدّد التقرير على محدودية الموارد البشرية بمصلحة حفظ الصحة بالمستشفى (3 أعوان فقط لمراقبة 36 قسما طبيا واستشفائيا علاوة على الصيدلية والمرافق الأخرى كالمطبخ وفضاءات الخزن والمكاتب الإدارية). الى ذلك لا ترتكز أعمال المراقبة البكترولوجية على برنامج مضبوط وواضح ومصادق عليه من الإدارة العامة. وقد وضّحت الإدارة مبادرتها بإشعار وزارة الصحة بالنقص الفادح في الأعوان دون أي استجابة.

أما مستشفى الأطفال بباب سعدون فيعاني بدوره من العديد من الهنات المتعلّقة بحفظ الصحة على غرار عدم مسك دليل إجراءات لتصرّف وحدة حفظ الصحة وعدم وجود مخبر خاص بالاختبارات التي تقوم بها وحدة حفظ الصحة والخلط بين حاويات النفايات الخطرة وحاويات النفايات العادية الموجودة بمكان مفتوح للعموم وعدم إبرام عقد مع إحدى الشركات لرفع النفايات الخطرة التي تتم عن طريق الرفع العادي للنفايات، بالإضافة الى نقائص أخرى مختلفة من شأنها تهديد حياة الأطفال.

مستشفى الحبيب ثامر.. القنبلة الموقوتة

على غرار مستشفيي الأطفال والرابطة، لايزال الوضع متفاقما بالنسبة لتعاطي مستشفى الحبيب ثامر مع الفضلات الصحية الخطرة والسامة. إذ شدد تقرير مراجع الحسابات لسنة 2015 على عدم وجود أي مقاربة منهجية ودقيقة للتصرف في هذه النفايات، مشيرا الى خرق المستشفى لمجلة المياه التي تمنع سكب أي مواد سامة في قنوات المياه المستعملة.

مراجع الحسابات ينبه من سكب النفايات في قنوات المياه المستعملة

في هذا الاطار برّرت إدارة المستشفى لجوءها الى التخلص من هذه النفايات السائلة في قنوات تصريف المياه المستعلمة بعدم توفقها في التعاقد مع شركة مختصة لرفع هذه النفايات وعدم استجابة سلطة الاشراف.

وقد حصلت منظمة أنا يقظ عبر مطالب للنفاذ الى المعلومة، على مراسلات رسمية وجّهها المستشفى الى وزارة الصحة في مناسبتين لحثّها على إيجاد حل جذري لهذه النفايات الخطرة. وقد جاء في مراسلة من الدكتورة إشراف دبيش رئيسة قسم التشريح وعلم الخلايا الى وزير الصحة بتاريخ 1 أكتوبر 2015 أن هذا القسم يتوفّر على مواد كيميائية منتهية الصلوحية، وهي مواد قابلة للاشتعال أو التفجير، فضلا عن سمّيتها، مشيرة الى عدم قدرة المستشفى على التخلص منها جراء غياب إجراءات واضحة في الغرض. وقد طالبت الدكتورة دبيش التدخل لدى الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات للإسراع في إيجاد حل.

مستشفى الحبيب ثامر يحذر وزارة الصحة من توفره على مواد كيميائية تشكل خطرا على الانسان والمحيط

هل من مجيب؟

وبعد ثلاث سنوات كاملة على هذه المراسلة، يبدو أن لا شيء قد تغيّر ما دفع بنفس المستشفى الى توجيه مراسلة أخرى الى وزارة الصحة في 8 ماي 2018. حيث ذكّرت الدكتورة دبيش بأن قسم التشريح وعلم الخلايا الذي ترأسه يفرز شهريا 50 كغ من النفايات الكيميائية الصلبة و830 لترا من النفايات الكيميائية السائلة، فضلا عن توفره على 20 كغ من المواد الكيميائية السامة، منتهية الصلوحية. وقبل ذلك راسل المستشفى الديوان الوطني للتطهير في جويلية 2017 للحديث عن عجزه على حل معضلة النفايات الخطرة.

مستشفى الحبيب ثامر يلتمس من الوزارة الصحة توفير جهز صهر المواد الكميائية الصلبة

 مستشفى الحبيب ثامر يراسل الديوان الوطني للتطهير

 

وقد باءت الاتصالات بالوكالة الوطنية للتصرف في النفايات ومعهد باستور والديوان الوطني للتطهير وووزارة الصحة لحثهم على رفع هذه النفايات، بالفشل.

اللافت في هذه المراسلات ان الدولة التونسية تفتقد الى جهاز لصهر المواد الكيمياوية الصلبة مما يدفع المستشفيات الى تخزين مختلف النفايات الصلبة الكيمياوية منها والصلبة والتي تعادل في خطورة بعضها (حامض النتريك) مادة TNT. هذه الطلبات الملحّة من إدارة مستشفى الحبيب ثامر لرصد اعتمادات لاقتناء جهاز صهر النفايات الصلبة، لم تجد اذانا صاغية على الأقل الى حدود 26 جويلية 2018، بما ان نفس المستشفى قد توجه بنداء استغاثة ثالث الى الوزارة لتوفير هذا الجهاز..

وقد سبق لدائرة المحاسبات ان أصدرت تقريرا مفصّلا عن التصرّف في النفايات الخطرة أكدت فيه غياب استراتيجية وطنية خاصة بالتصرف في هذه النفايات، مع العلم ان العديد من الأوبئة والامراض والتعفنات عادة ما تكون ناتجة عن التلوث البيئي الذي تساهم المؤسسات العمومية في تعميقه في خرق واضح لدستور 2014 الذي ينص على ضمان الدولة الوقاية والرعاية الصحية لكل مواطن، ثم نتساءل عن أسباب ما حصل مؤخرا في مستشفى الرابطة من فقدان اثني عشرة رضيع وغيره من الإصابات والأمراض التي تتربص بالتونسيين.