صناعة الإعلام قبل الثورة: إهدار للمال العام وإفلات من العقاب

| 0 مشاركة
w1

إهدار للمال العام ومحسوبية وغياب للشفافية مقابل تغوّل للسلطة التنفيذية عبر أذرعها الإعلامية الأجنبية والمحلية الساعية لتلميع صورة نظام الرئيس الفار زين العابدين بن علي. هكذا كان المشهد السياسي-الإعلامي في تونس ما قبل الثورة (أو هكذا أريد له أن يكون). اما بعدها فلا يزال عدد من عرابي "البروباغندا النوفمبرية" ومهندسيها يصولون ويجولون في المشهد الإعلامي متموقعين من جديد وفي منابر جديدة.

المساعي المحمومة من قبل صناع البروباغندا السياسية بمباركة من وكالة الاتصال الخارجي كانت تكبّد خزينة الدولة مئات الآلاف من الدينارات سنويا (أكثر من 9 مليون دينار في 2009) من اجل بث اخبارهم الزائفة وتحاليلهم الجوفاء وتقاريرهم المدافعة عن صورة النظام وتشويه معارضيه والتغطية على جرائمه وتجاوزاته في اوجهها المتعددة، مستغلين المئات من وسائل الاعلام الأجنبية وعبر مرتزقة تونسيين همهم الوحيد إرضاء ساكن قصر قرطاج.

 بسيس وصمارة والحامدي.. انهم هنا

وعرج تقرير لجنة المرحوم عبد الفتاح عمر على وضعية الصحفي برهان بسيس مبينا "تعامل وكالة الاتصال الخارجي مع هذا الاعلامي منذ 2001، بمبلغ قدره 300 ألف دينار منها 180 ألف دينار تم تحويلها للمعني بالأمر من ميزانية الاشهار العمومي في إطار التعاون مع قناة Anb في صيغة راتب شهري قدره 2500 دينار يتم خصمه من المنحة الراجعة بالنظر لهذه القناة."

 اما الصحفي الصحبي صمارة فقد كان يتعامل مع وكالة الاتصال الخارجي بصفة متعاون وموفر لخدمات اتصالية من قبيل تحرير مقالات دعائية والمشاركة في برامج بقنوات اجنبية. وكمكافأة لهذين الصحفيين على خدماتهما للنظام تم الحاقهما بالوظيفة العمومية في ضرب لمبدأ الشفافية والمساواة. اذ تم الحاق برهان بسيس بالشركة التونسية للمقاولات السلكية واللاسلكية  Sotutel وإنتداب الصحبي صمارة بديوان الطيران المدني والمطارات مع تمتيعهما بامتيازات وترقيات وسيارات وظيفية دون ان يباشرا وظيفتهما، وهو ما اعتبرته اللجنة الوطنية لتقصي الحقاق حول الرشوة والفساد إهدارا للمال العام. 

وفي يوم 13 ديسمبر 2016، تمت دعوة توفيق بكار (محافظ البنك المركزي السابق والذي وجهت إليه تهم فساد وسوء تصرف مالي وإداري بعد الثورة) شقيق المنجي بكار الرئيس المدير العام السابق للشركة التونسية للمقاولات السلكية واللاسلكية، تمت دعوته إلى برنامج "هنا الآن" على قناة التاسعة من أجل إبداء رأيه بخصوص قانون المالية 2017. وهنا نتسأل هل أن هذه الدعوة جاءت في إطار رد الجميل لشقيق مديره السابق؟

وتكشف مراسلة سرية من وكالة الاتصال الخارجي، تحصلت منظمة أنا يقظ على نسخة منها، موجهة إلى الرئيس الفار في 5 جانفي 2009 بعنوان "تعاون برهان بسيس مع الصحبي صمارة عن تقدم مدير الوكالة أسامة الرمضاني بمقترح لإشراف الصحفيين المذكورين على موقع الكتروني يحمل عنوان "كلمة" لتغطية المستجدات الحقوقية والسياسية بالبلاد. وقد أعرب الصحبي صمارة حسب هذه المراسلة عن استعداده لـ"تحريك عدد من أعضاء منظمة الشباب التابعة لحزب التكتل الديمقراطي من اجل العمل والحريات من اجل حثها على الاستقالة وعلان مواقف منشقة عن حزب مصطفى بن جعفر.

 

 

وفي ختام المراسلة طلب صمارة انتدابه بإحدى المؤسسات العمومية التي تسمح له بالتفرغ لأنشطته الدعائية. وقد لقيت هذه المراسلة موافقة خطية من الرئيس الفار بن علي مع توصيته بوضعه على ذمة الوكالة التونسية للاتصال الخارجي.

كما تضمن تقرير وكالة الاتصال الخارجي تحويلات لوسائل اعلام أخرى على غرار الاهرام المصرية ومجلة Jeune Afrique  وقناة المستقلة التي يملكها السياسي محمد الهاشمي الحامدي ومجلات بثينة وروز اليوسف وشبكة Euronews  وقناة ANB اللبنانية والتي كانت تخصص مساحات بث هامة للدعاية لنظام بن علي.

قناة المستقلة التونسية التي يملكها السياسي محمد الهاشمي الحامدي الذي خاض انتخابات 2011 عبر قائمات حزب تيار العريضة الشعبية وتشريعية 2014 بقائمات تيار المحبة فضلا عن منافسته على رئاسية 2014، حظي باثني عشرة تحويلا ماليا في 2009 (سنة الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها الرئيس الفار زين العابدين بن علي بنسبة 89.62 % من الأصوات. وقد قدرت هذه التحويلات المالية بأكثر من 436 ألف دينار.

تقرير لجنة المرحوم عبد الفتاح عمر لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد تضمن مراسلة موجهة من مدير قناة المستقلة الهاشمي الحامدي الى الرئيس الفار بن علي في 2009. وقد طلب الحامدي موافقة بن علي لتنظيم ندوة تلفزيونية على قناة المستقلة للدعاية لخطابه الشهير بعد فوزه في انتخابات 2009، ملتمسا تمكينه من التشجيع والدعم.

تحويلات بالمليارات

يوثّق تقرير رسمي صادر إدارة الاشهار بوكالة الاتصال الخارجي (حصلت منظمة "أنا يقظ" على نسخة منه) الى تكبّد خزينة الدولة مبلغ مالي ناهز 9.484 مليون دينار كتحويلات فعلية لفائدة الصحف والمجلات ووسائل الاعلام الأجنبية بين 1جانفي و31 ديسمبر 2009.

هذه التحويلات الدولية ذهبت الى أرصدة عناوين معروفة من الصحف والمجلات والتلفزات الأجنبية المعروفة. والملاحظ في هذه التحويلات قيمة المبالغ المالية المرسلة الى هذه المحامل الإعلامية. ففي سنة وحيدة تمتعت جريدة العرب الدولية بـ 12 تحويلا ماليا فاق قيمة 335 ألف دينار.

في هذه السياق أشار تقرير لجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد المعروفة بلجنة عبد الفتاح عمر الى "تحمل الوكالة التونسية للاتصال الخارجي انطلاقا من 2001 وتعليمات من الرئيس الفار بن علي مصاريف النزاع القضائي الذي كانت جريدة العرب طرفا فيه (دون ان يكون للدولة التونسية أي دخل فيه). وبلغت جملة التحويلات 2.239 مليون دينار.

تجاوزات شتى..

إزاء مجمل هذه الممارسات الدعائية المبذرة للمال العام، وقفت لجنة المرحوم عبد عمر على جملة من الاختلالات على غرار افتقار وكالة الاتصال الخارجي الى نظام أساسي خاص بأعوانها والى شبكة للأجور وغياب الشفافية في الانتداب مع افتقادها لوثائق محاسبية متعلقة بالنفقات المتعلقة بالاتصال الخارجي وعدم تفعيل مبدأ المنافسة عند الشراءات العمومية وعدم اعتماد المنافسة عند التعاقد مع مؤسسات اجنبية.

ورغم تغير المعطيات إثر سقوط نظام بن علي، لا يزال مصير العشرات من الملفات التي احالتها لجنة عبد الفتاح عمر الى القضاء مجهولا ما يؤكد تواصل مبدأ الإفلات من العقاب بالنسبة للضالعين في اهدار المال العام وفي المس من حياد الإدارة العمومية لتطويعها لتحقيق مصلحة خاصة له او لغيره. وفي انتظار تحرك سواكن حكومية وقضائية يعود بعض مرتزقة البروباغندا السياسية الى الساحة لبث اجنداتهم وتصفية حساباتهم مع ثورة يعتقد انها كشفت عوراتهم واطاحت بأجنداتهم.